الشيخ محمد رشيد رضا

456

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هو الاتيان به مستويا تاما لا نقص فيه ولا عوج ، ولذلك أمر تعالى بإقامة الصلاة وإقامة الشهادة وإقامة الوزن بالقسط ، لتأكيد العناية بهذه الأشياء ، ومن بنى جدارا مائلا أو ناقصا لا يقال إنه أقام البناء أو أقام الجدار ، قال تعالى « فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ » وانما احتاج الجدار إلى الإقامة لأنه كان مائلا متداعيا للسقوط . وهذه العبارة أبلغ ما يمكن ان يقال في تأكيد أمر العدل والعناية به ، فالامر بالعدل والقسط مطلقا يكون بعبارات مختلفة بعضها آكد من بعض : تقول اعدلوا أو اقسطوا ، وتقول كونوا عادلين أو مقسطين ، وهذه أبلغ لأنها أمر بتحصيل الصفة لا بمجرد الاتيان بالقسط الذي يصدق بمرة ، وتقول : أقيموا القسط ، وأبلغ منه : كونوا قائمين بالقسط ، وأبلغ من هذا وذاك : كونوا قوامين بالقسط ، اي لتكن المبالغة والعناية بإقامة القسط على وجهه صفة من صفاتكم ، بان تتحروه بالدقة التامة حتى يكون ملكة راسخة في نفوسكم ، والقسط يكون في العمل كالقيام بما يجب من العدل بين الزوجات والأولاد ، ويكون في الحكم بين الناس ممن يوليه السلطان أو يحكمه الناس فيما بينهم . وكان ينبغي أن يكون المسلمون بمثل هذه الهداية أعدل الأمم وأقومهم بالقسط ، وكذلك كانوا عندما كانوا مهتدين بالقرآن ، وصدق على سلفهم قوله تعالى « وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » ثم خلف من بعد أولئك السلف خلف نبذوا هداية القرآن وراء ظهورهم ، حتى صارت جميع الأمم تضرب المثل بظلم حكامهم وسوء حالهم ، وتفخر عليهم بالعدل ، بل صار الذين ليس لهم من الاسلام الا اسمه يلتمسون من تلك الأمم القسط ، وما يهدي اليه من العلم وقوله تعالى شُهَداءَ لِلَّهِ خبر بعد خبر اي كونوا شهداء للّه والشهداء جمع شهيد بوزن « فعيل » والأصل في صيغة « فعيل » ان تدل على الصفات الراسخة كعليم وحكيم فهو على هذا أمر بالعناية بأمر الشهادة والرسوخ فيها ، وقد تقدم تفسير الشهادة في تفسير أواخر سورة البقرة فتراجع في الجزء الثاني من التفسير ، ومعنى كون الشهادة للّه ان يتحرى فيها الحق الذي يرضاه ويأمر به من غير مراعاة